أبي منصور الماتريدي

154

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

يجب بتلاوته السجود . ثم إن ذكر في أهل الكفر فإنما يراد « 1 » منهم الاستسلام بالاعتقاد ليس بعين الفعل ، وأهل الإسلام قد وجد منهم الاستسلام بالاعتقاد ، فيلزمهم أن يستسلموا من جهة الفعل ، فجائز أن يكون هذا لما عاين الشدائد والأفزاع ، استسلم لله - تعالى - وخضع له ؛ فلم يقبل ذلك منه ؛ لأن تلك الدار دار جزاء ، وليست بدار محنة . والثاني : [ أن السجود هو بذل ] « 2 » النفس لما طلب منه طائعا ، وإذا أشرف المرء على الموت طلب منه في ذلك الوقت بذل روحه لا بذل نفسه ، فإذا كان كافرا بالله - تعالى - اشتد عليه بذل روحه ؛ لما يعلم أن مصيره إذا قبض إلى العذاب ، وكره ذلك أشد الكراهة ، كما قال - عليه السلام - « من كره لقاء الله ، كره الله لقاءه ، ومن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه » « 3 » ، فسئل رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم عن ذلك ، فقال : « ذلك عند الموت » ؛ فهو لما يرى من المكروه يحل به بعد الموت يكره قبض روحه ، فيكون قوله : فَلا يَسْتَطِيعُونَ إن كان المراد من قوله : وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ عند الموت [ على ذلك ] « 4 » ، والمؤمن إذا رأى ما أعدّ له من الكرامات ود أن يقبض روحه سريعا ليصل إلى الكرامات « 5 » ، وإن كان هذا بعد البعث ، وأريد من السجود تحقيقه ، ففيه تذكير لهم أنهم لم يكونوا يمتحنون في الدنيا بالسجود ؛ لمنفعة تصل إلى الله تعالى أو لحاجة له إلى ذلك ، وإنما امتحنوا بالسجود ؛ لمكان أنفسهم ، إذ لو كان الامتحان لمنفعة تنال الله تعالى ، لما كانوا يمنعون عنه في القيامة ، والله أعلم . وقال كثير من أهل الكلام : لا يجوز أن يمتحنهم الله تعالى بعد البعث بالسجود ؛ إذ تلك [ الدار ] « 6 » لبست بدار محنة ، وإنما الأمر بالسجود يخرج مخرج التوبيخ ؛ وكذلك زعم جعفر بن حرب أن هذا على التوبيخ ، يقال للرجل إذا كان مكثرا فذهب « 7 » ماله ولم يؤد الزكاة ، ولا حج في حال يسره - يراد به التوبيخ - : حج الآن وزكّ الآن ، ليس يراد به إيجاد الفعل ، ولكن يريد به تذكيره وتوبيخه ؛ فهذا الذي قالوه يحتمل .

--> ( 1 ) في ب : أراد . ( 2 ) في ب : هو أن السجود بذل . ( 3 ) أخرجه البخاري ( 6507 ، 6508 ) ، وأحمد ( 2 / 420 ) . ( 4 ) سقط في ب . ( 5 ) في ب : الكرامة . ( 6 ) سقط في ب . ( 7 ) في ب : قد ذهب .